ابن حزم

570

الاحكام

وأما دعواهم وقولهم في الاشتهار والانتشار ، فطريف جدا وإنما هم قوم أتى أسلافهم كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وعيسى بن أبان ونظرائهم ، وكمالك وابن وهب وسحنون وإسماعيل ونظرائهم وكالشافعي والمزني والربيع وابن شريح ونظرائهم فاحتجوا لما قاله الأول منهم بمرسل أو رواية عن صاحب نجدها في الأكثر لا تصح ، أو تصح ونجد فيها خلافا من صاحب آخر ، أو لا نجد فأشاعوها في أتباعهم فتلقاها الاتباع عنهم وتدارسوها وتهادوها بينهم ، وأذاعوا عند القلة الآخذة عنهم فتداولوها على ألسنتهم ومجامعهم وفي تواليفهم . وفي مناظرتهم بينهم أو مع خصومهم فوسموها بالانتشار والاشتهار والتواتر ، ونقل الكوا ف وهي في أصلها هباء منبث وباطل مولد ، أو خامل في مبدئه وإن كان صحيحا لم يعر ف منتشرا قط . فهذه صفة ما تدعون فيه الانتشار والتواتر ، كالخبر المضاف إلى معاذ رضي الله عنه في اجتهاد الرأي فما عرفه قط أحد في عصر الصحابة ، ولا جاء قط عن أحد منهم أنه ذكره لا من طريق صحيحة ولا من طريق واهية ، ولا متصلة ولا منقطعة ، ولا جاء قط عن أحد التابعين أنه عرفه ولا ذكره في رواية صحيحة ولا سقيمة لا موصولة ولا مقطوعة ، حتى ذكره أبو عون محمد بن عبيد الله وحده . وإنما أخذه عن مجهول لا يعرف أحد عن مثله فيما ادعى وزعم ذلك المجهول أيضا ، فأخذه عن أبي عون فيما بلغنا رجلان فقط ، شعبة وأبو إسحاق الشيباني ، ثم اختلفوا أيضا في كافة لفظه ومعناه على أبي عون فلما ظفر القائلون بالرأي عند شعبة وثبوا عليه وطاروا به شرقا وغربا ، وكادوا يضربون الطبول حتى عرفه من لا يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة ، وادعوا فيه التواتر . ومعاذ الله من هذا فما أصله إلا مظلم ولا مخرجه إلا واه ، ولا منبعثه إلا من باطل وتوليد موضوع مفتعل ممن لا يعرف عمن لم يسم ممن لم يعرف قط في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين ، ولا ذكره أحد منهم غير أبي عون بن عبيد الله الثقفي وحده كما ذكرنا ، فهذه صفة جمهور ما يدعون فيه التواتر والانتشار ، بل صفة جميعه ، وأتوا إلى المشهور المنتشر الفاشي فخالفوه بلا كلفة ولا مؤنة ، كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا بالأصحاب ، وككونه صلى الله عليه وسلم إمامنا في